عماد الدين الكاتب الأصبهاني
42
خريدة القصر وجريدة العصر
هواؤها صحيح ؛ ونسيمها عليل ؛ وسرّ القدر لها دقيق ؛ وقدرها جليل ؛ وموضعها الآن هو الذي اختاره الصّحابة رضي اللّه عنهم والتابعون ؛ عند مدينة جيّ « 1 » ووجدوا سكناها والإقامة بها للإستقامة والراحة في كلّ شيء ؛ فأصول معظم أهلها الآن نازعة إلى ذلك النّجار الكريم ؛ وشموسها بازغة في مطالع ذلك الفخار القديم ؛ فهم من أزكى أصل ؛ في أذكى طينة ؛ وأكرم جيل في أطيب مدينة . وكان سلمان الفارسيّ من أهلها الأحامس « 2 » ؛ وقد قال رسول ( اللّه ) صلوات اللّه وسلامه عليه فيهم : لو كان الدين معلقا بالثريّا لنا له رجال من أبناء فارس « 3 » . ولقد كان والدي صفي الدين رحمه اللّه « 4 » أبدا يذكر لي فضائل أصفهان ؛ ويستوفي بها البيان ؛ ويقول : أودّ أن أصنّف فيها كتابا ؛ وأبوّبه أبوابا ؛ وأشيد بذكر عظمائها وفضلائها ؛ من عهد الإسكندر إلى هذا العصر ؛ ليعلم أنّ أصفهان سمحت من الأكابر بما لم يسمح به جميع الأقاليم في عمر الدّهر ؛ وما تغرّب من أصفهان أحد من فضلائها إلّا وساد ؛ أين كان ؛ ووافق الأماثل والأعيان . وكان أبو مسلم صاحب الدولة « 5 » من رستاقها ؛ وابن عبّاد « 6 » نجم أنار في آفاقها ؛ والعزيز بسط يده في المملكة خراسانها وعراقها ؛ وبالأمس جمال الدين الوزير بالموصل آذنت سماء الآمال من سماحه بإشراقها وعدّ من الأكابر القدماء جمّا غفيرا ؛ ومن أهل العصر كثيرا ؛ وشغله - رحمه اللّه - الجمع بين الصّحاح عن هذا التاليف حتى لحق باللّه الرّحيم اللّطيف . وأنا أرغب إلى اللّه تعالى العزيز الواحد ؛ في أن يمهلني لإتمام رغبة الوالد ؛ وأصنّف الكتاب على ما بوّبه لي من المقاصد . وإنّما ذكرت هذا الفصل ليعلم أنّني في تقديمهم راعيت الفضل ولو تعصّبت لبلدي لم يتوجّه عليّ ملام ؛ ولم يبعد عنّي قيد مرام ؛ الّا أن العروس استغنت بحسنها عن الماشطة ؛ وسائر بلاد الإسلام منتظمة لها كالعقد . وهي كالواسطة .
--> ( 1 ) . جي : حاضرة أصفهان القديمة . ( 2 ) . الأحامس : جمع أحمس وهو الرجل الشجاع . ( 3 ) . انظر : كنز العمال 12 / 91 ، رقم 34130 وفي رواية : لو كان العلم بالثريا لتناوله رجال من فارس . ( 4 ) . ذكره العماد في كتابه مرات عديدة . ( 5 ) . أبو مسلم الخراساني . أحد القادة الذين أقاموا بناء الدولة العباسية وقد قتله أبو جعفر المنصور سنة 137 ه الأعلام 3 / 337 - 338 . ( 6 ) . هو إسماعيل بن عبّاد الوزير المعروف بالصاحب ، م / 385 ه ، كان أديبا شاعرا ووزيرا ، له ديوان شعر مطبوع ؛ ومؤلفات أدبية ونقدية وكان له مجلس عامر يرتاده شعراء وأدباء العصر . الأعلام 1 / 316 .